إعداد: ذيب حداد، مؤسس NextEmTech، استنادًا إلى الأبحاث المنشورة الواردة في قسم المصادر. جميع الأرقام تعود إلى الجهات التي نشرتها.
الإجابة باختصار
سيغيّر الذكاء الاصطناعي معظم الوظائف قبل أن يحلّ محلّ كثير منها. فالدراسات الدولية الكبرى تتفق على نقطة واحدة: الأثر الأكبر حتى عام 2030 سيقع على المهام داخل الوظائف، لا على اختفاء وظائف بأكملها. والمستفيد الأكبر هو من يطوّر مهاراته ويعيد تنظيم طريقة عمله، أفرادًا كانوا أم مؤسسات.
ماذا تقول الأرقام
ثلاث دراسات واسعة الانتشار ترسم ملامح هذا النقاش. تقيس كلٌّ منها أمرًا مختلفًا بعض الشيء، ولذلك تُقرأ معًا، لا بالمقارنة المباشرة بين أرقامها.
- المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير مستقبل الوظائف 2025. يتوقع أصحاب العمل المشاركون في المسح استحداث نحو 170 مليون وظيفة وزوال نحو 92 مليون وظيفة بحلول 2030، أي زيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة. ويطال هذا التحوّل ما يعادل نحو 22% من الوظائف الحالية. كما يتوقعون أن يتغيّر قرابة 40% من المهارات المطلوبة في العمل، ويرى 63% منهم أن فجوة المهارات هي العائق الأكبر أمامهم. والذكاء الاصطناعي عاملٌ واحد من عدة عوامل: التقنية، والتحولات السكانية، والتوترات الجيواقتصادية، والضغوط الاقتصادية.
- صندوق النقد الدولي (كانون الثاني/يناير 2024). نحو 40% من الوظائف في العالم معرّضة للذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة، مقابل 40% في الأسواق الناشئة و26% في البلدان منخفضة الدخل. لكن التعرّض لا يعني الزوال: إذ يتوقع الصندوق أن يستفيد نحو نصف الوظائف المعرّضة من الذكاء الاصطناعي عبر ارتفاع الإنتاجية.
- منظمة العمل الدولية (أيار/مايو 2025). يعمل نحو عاملٍ من كل أربعة عمال في العالم في مهنةٍ تتعرّض بدرجةٍ ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، في حين لا تتجاوز حصة الفئة الأعلى تعرّضًا 3.3% من إجمالي العمالة العالمية. والأعمال المكتبية هي الأكثر تعرّضًا، تليها بعض الأدوار في الإعلام والبرمجيات والقطاع المالي. وخلاصة المنظمة: تحوّل الوظائف هو النتيجة الأرجح، لأن معظم الوظائف ما زالت تتطلب إسهامًا بشريًا.
كيف نقرأ هذه الأرقام: التعرّض مرتفع، والاستبدال الكامل محدود، والمسافة بينهما تملؤها مهاراتٌ جديدة وأدوارٌ جديدة وإعادة تصميمٍ للعمل.
أيّ الوظائف تتغيّر أكثر
- الأكثر تعرّضًا: الأعمال المعلوماتية الروتينية، كإدخال البيانات، ومعالجة المستندات، وإعداد التقارير النمطية، والرد الأولي على استفسارات العملاء، والصياغة الأولية للمحتوى والشيفرات البرمجية.
- الأدوار المتنامية: الأدوار التي تبني التقنية وتحكمها وتطبّقها (اختصاصيو الذكاء الاصطناعي والبيانات، والأمن السيبراني، والبرمجيات)، والأدوار القائمة على العنصر البشري: الرعاية، والتعليم، والحِرف الماهرة، والعمل الميداني.
- الأكثر تغيّرًا في الممارسة: المديرون والمهنيون. تبقى وظائفهم، لكن جزءًا أكبر من التحليل والصياغة ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي، ويتّجه مزيدٌ من وقتهم إلى التقدير واتخاذ القرار والإشراف.
كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي عالم العمل
- من الأدوات إلى الوكلاء (AI Agents). ينتقل الذكاء الاصطناعي من الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ أعمالٍ متعددة الخطوات عبر الأنظمة. وهذا يرفع الإنتاجية، ويرفع معه الحاجة إلى صلاحيات قرارٍ واضحة وموافقاتٍ محددة.
- كل دورٍ يصبح مدعومًا بالذكاء الاصطناعي. في معظم الوظائف المكتبية سيتقاسم الإنسان والذكاء الاصطناعي التحليلَ والصياغة والمتابعة، وتنتقل المساهمة البشرية نحو تحديد المشكلة، ومراجعة المخرجات، وتحمّل مسؤولية القرار.
- الحوكمة تصبح مهارةً من مهارات الأعمال. حين يقدّم الذكاء الاصطناعي توصياتٍ تمسّ العملاء والأموال والسلامة، تحتاج المؤسسات إلى سجل تدقيق، وإشرافٍ بشري، وضوابط لجودة البيانات، يمكنها إثباتها.
- المهارات، لا الشهادات، هي ما يحدّد الإيقاع. مع توقّع تغيّر قرابة 40% من مهارات العمل بحلول 2030، يصبح التدريب المستمر جزءًا من التشغيل اليومي.
تقنيات وابتكارات سوقية تستحق المتابعة
تحدّد قائمة Gartner لأبرز التوجهات التقنية الاستراتيجية لعام 2026 التقنياتِ المتوقع أن تشكّل ملامح السنوات الخمس المقبلة:
- منصات التطوير القائمة على الذكاء الاصطناعي: بناء البرمجيات بالذكاء الاصطناعي منذ البداية.
- منصات الحوسبة الفائقة للذكاء الاصطناعي: القدرة الحاسوبية التي تقف خلف النماذج الكبيرة.
- الأنظمة متعددة الوكلاء: عدة وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون معًا على عمليةٍ واحدة.
- النماذج اللغوية المتخصصة بقطاع: ذكاء اصطناعي مدرَّب لقطاعٍ بعينه، كالمال أو الصحة.
- الذكاء الاصطناعي المادي: الروبوتات والطائرات المسيّرة والمعدات الذكية.
- الحوسبة السرّية: حماية البيانات أثناء معالجتها.
- الأمن السيبراني الاستباقي ومنصات أمن الذكاء الاصطناعي: إحباط الهجمات قبل وقوعها، وحماية أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها.
- إثبات المصدر الرقمي: التحقق من مصدر البيانات والبرمجيات والمحتوى.
- إعادة التوطين الجغرافي للبيانات: نقل البيانات وأحمال العمل إلى مواقع تُختار لاعتبارات السيادة والمخاطر.
والتبنّي واسعٌ بالفعل: إذ يفيد مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2025 بأن 78% من المؤسسات استخدمت الذكاء الاصطناعي في وظيفةٍ واحدة على الأقل من وظائف أعمالها خلال 2024، مقارنةً بـ55% في العام السابق. لم يعد السؤال «هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟»، بل «كيف نستخدمه استخدامًا جيدًا وآمنًا وقابلًا للقياس؟».
ما الذي ينبغي للمؤسسات فعله الآن
- حلّل المهام لا الوظائف. دوِّن المهام في كل دورٍ رئيسي، وحدّد ما يمكن للذكاء الاصطناعي دعمه، وما يمكنه تولّيه، وما يجب أن يبقى بيد الإنسان.
- ابدأ بمشروعٍ تجريبي واحد. حالة استخدام حقيقية واحدة، ومعايير نجاح متفق عليها مسبقًا، وقرار واضح في النهاية.
- درّب فريقك قبل التوسّع. طلاقة في الذكاء الاصطناعي للجميع، ومنهجيات منظَّمة لمشاريع الذكاء الاصطناعي (مثل CPMAI) لمن يقودونها.
- اجعل الحوكمة جزءًا من البداية. يعتمد شخصٌ محدد توصيات الذكاء الاصطناعي المهمة، وتُسجَّل كل توصية.
- قِس النتائج وعدّل المسار. تابع النتائج مقابل المعايير المتفق عليها، ثم قرّر: الاستمرار أو التعديل أو التوقف.
رأينا
لن يحدّد الذكاء الاصطناعي وحده مستقبل العمل؛ فالنتيجة رهنٌ بالطريقة التي تعيد بها المؤسسات تصميم العمل، وتدرّب بها موظفيها، وتحكم بها أنظمتها. ويبقى مبدؤنا كما هو: الذكاء الاصطناعي يقدّم التحليل، والإنسان يملك القرار.
تخطّط لخطوتك الأولى؟ ابدأ بمشروع تجريبي أو احجز مكالمة مدتها 30 دقيقة.
المصادر
- World Economic Forum, Future of Jobs Report 2025 (January 2025), press release
- International Monetary Fund, K. Georgieva, AI analysis (January 2024), as reported by Gulf News
- International Labour Organization and NASK, Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure, ILO Working Paper 140 (May 2025)
- Gartner, Top Strategic Technology Trends for 2026 (October 2025), press release
- Stanford HAI, AI Index Report 2025
جميع المقالات →